الأربعاء، 4 ديسمبر 2013

بنغازي ..حينما يحكي عن التهميش صوتاً وصورة .. المدينة الثائرة !

أخضر وبني ، ألوان المدينة صغيرة الحجم من أعلى وانا أقترب رويداً بالطائرة ليتكشف لي حجم اللون البني .. أصلها اتحرقت واتبهدلت سنة كاملة في الحرب ..بنغازي .

اول حاجة عيني وقعت عليها بعد الهبوط ، علامة " ممنوع دخول السلاح" ، فهمت وقتها قد إيه الناس مسلحة ! حاجة تانية " الشنط" بتتحدف على السير يدوي ..مطار صغير ضيق ومتواضع " بنينة الدولي" ..بساطة موظفيه منعكسة من أول سير الشنط اللي انت لازم تتعرف عليها بنفسك وأحياناً تشيلها علشان ما تضيعش .. مروراً بالخدمات شبه المعدومة واحساسك إن الزمن فجأة رجع ورا فوق الثلاثين سنة .

عاوزة أكلمه مش معايا رصيد ، روحي جنب البوابة على اليمين - وده اللطيف- هتلاقي سنترال !
رحت جري وانا بادعي ربنا إنه ما يسبنيش وأن الموظف في السنترال اللي يشبه كثيراً سنترالات مصر القديمة ، يقبل دولارات - أصل ما لحقتش أغير العملة - أخيرا كلمته " آلو فرج ..أنا وصلت" ..أتلفت ورايا لاقيته " شاب صغير في السن قمحاوي شكله طيب" شال الشنطة ودفعلي الدينار اللي اتكلمت بيه ومشينا .
غالباً النصف ساعة اللي باتعرف فيهم على البلد بتكون "رحلة المطار" ..من أول ما تحركت وانا أشمها ( رائحة الموت \ الترقب \ الهدوء الحذر ) .. الشيء الثاني بالنسبة لي " الإذاعة المحلية" ..طول الطريق ممتزجة أصوات المتصلين اللي إما لسه بيدوروا على أولادهم المفقودين أو لاقوا جثثهم ، أكثر من ألف وخمسمائة قتيل تشيع جنازة رفاتهم يوم وصولي ظهراً ..ولهذا لا حديث في تلك الإذاعة المحلية سوى عن القتلى والمفقودين والمصابين ..على جوانب الطريق متسع من الشوارع الصحراوية نوعاً ما ، والتي تخلو من المارة والسيارات إلا القليل ..إن وجدتها فهي مباني ليست عالية "طابق أو طابقان" وكأن الزمن فجأة يعود ويعود !!
لا شيء يشغل بالي سوى أنني متشوقة للتجربة ، أسئلتي كانت كثيرة لفرج صديقي طيب القلب الجدع ، أصلها أول مرة لليبيا وبعد ستة أشهر فقط من سقوط نظام القذافي ..الثقوب الصغيرة المنتشرة على جدران المدرسة .. الفتحة الكبيرة في مبنى كان يعرف سابقاً بأنه حصن منيع للقذافي ونظامه ! جرافيتي يحكي دون أن يحكي فرج .
أخيراً وصلت !!! " خرابة بابها صفيح" أمامها هاسكن عشرة أيام .. شباب في العشرينات بزي عسكري وسلاح وشعر أحياناً طويل ينتظرونني ولا ينطقون " يشيرون لأمتعتي" من فضلك على السير ، اتفتشت ودخلت ..فندق يعتبر من أهم وأشهر فنادق بنغازي يأتيه أحياناً مسئولون .. لكنه مليء بالصحفيين ، برغم بساطته الواضحة من البوابة !!
استقبلوني/ ممكن جواز السفر يا أبلة ! في هذه الأحوال عادة لابد أن تبتسم " سلو البلد" زي ما بيقولوا .. أخذت رقم الغرفة وصعدت ..ردهتان طويلتان بهما غرف النوم ، خاوية على عروشها ! لا ماء ولا أي شيء في "الميني بار" ، سألت النادل قال إنها لم تجرى صيانتها منذ الحرب .
أتذكر أنني يومها نمت نوما طويلاً أكثر من فنادق أخرى باهظة الثمن ، بالرغم من مفاجأة كبرى سأحكي عنها لاحقاً كانت كفيلة أن تؤرق التنين من نومه !

يتبع :)
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق