الأحد، 16 سبتمبر 2012

فتاة الغاز

هي المرة الأولى التي تتعرض فيها لغاز مسيل للدموع ..تجربة فريدة من نوعها وجديدة ..استنشاق الغاز والكر والفر ..

هي دقائق بعد الانتهاء من الرسالة التليفزيونية الوحيدة التي قامت بها ، قبل أن تطير قنبلة الغاز من فوق رأسها بجوار تمثال عمر مكرم بالتحرير ، وتسقط على بعد سنتيمترات منها ..قنبلة غاز بدون لون ، لكن رائحتها أكبر مقتاً وبغضاً ..هما فقط دقيقتان وكان الغاز يملؤ وجهها وأنفها ورئتاها اللتان لم تتحملان الرائحة البغيضة ، فقفزت من فوق المكان المرتفع الذي كانت تقف عنده ، وألقت الميكروفون وراحت تتقيء..لم تشعر سوى بأيدي شاب يمسح بالمنديل فمها بعد القيء ويحاول أن يجعلها تستنشق الهواء بالخل ..ولم تر سوى المصور الذي حاول الثبات وقتها بسبب الهواء ، ثم اضطر أن يفر هو الآخر بعد أن فر باقي الطاقم ، لان المنطقة الآن أصبحت غير آمنة ..

الوقت كان في ظهر اليوم ، حينما زادت حدة الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الشرطة في محيط السفارة الأمريكية بالقاهرة ، حينما اشتد إلقاء قنابل الغاز واشتد في المقابل إلقاء الحجارة وزجاجات المولوتوف على سيارات الشرطة التي أحرقت جزء من إحداها ، ووقتها تعالى الهتاف وكأنه النصر ..فهذه السيارة هي التي كانت تحاول فض المتظاهرين بعيداً عن مقر السفارة الأمريكية بطريقة "اللف والدوران ".

كر وفر ، هكذا يوصف المشهد الذي استمر ساعات في محاولة من الشرطة بإغراق المتظاهرين بقنابل الغاز ، علهم يتراجعون عن الاحتجاج أمام السفارة الأمريكية كما حدث الثلاثاء الماضي ، لكن على ما يبدو اعتادوا على استنشاق الغاز بطرقهم من كر وفر ورد القنابل على قوات الشرطة ..

طوال الوقت تقترب وتبتعد عن مقر الاشتباكات تصور وتفر ..ولم تسلم من استنشاق تلك القنابل التي وإن لم تصبها مباشرة ، حملها لها الهواء ..فالميدان كله معبء بالرائحة ..ولم يحمها سوى ماسك الغاز .

هما نوعان من القنابل تم إلقاؤهم على المتظاهرين ، الذين يبعدون أمتاراً عن السفارة الأمريكية ، من ضمن الوجوه ، رجل عاجز يسير على عكاز يحمل القنبلة ويحاول إلقاؤها بعيداً عن المتظاهرين ..شباب يحملون الخل لوقاية كل من يتعرض للغاز من متظاهر أو صحفي ولا يفرق معهم إن كنت فتاة أو شاب فهم يساعدونك لمجرد المساعدة ..فهم اعتادوا على هذا المشهد والتكنيك منذ الثورة المصرية ..امرأة تبيع المناديل مجاناً لتمسح بها العيون الملتهبة من الغاز ..آخرون يطفئون القنبلة بالماء وآخرون يحوزون تلك النقابل معهم "تذكار" ..فهي تختلف عما ألقى عليهم من قبل في أحداث محمد محمود .

شباب يقفون بكمامات من القماش "كوفيات" ملفحة بها وجوههم يستنشقون غازاً وكأنه الهواء ..فالمشهد تحول من كونه تظاهرات ضد فيلم مسيء للرسول محمد "صلى الله عليه وسلم " ، إلى "عند" مع قوات الشرطة برشقهم بالحجارة وإحراق سيارة شرطة ، وتكسير سيارة أخرى ..فأصبح المشهد "ثأر" مع رجال الشرطة منذ ما جرى وقت وبعد الثورة المصرية من أحداث ..

اشتد ضرب القنابل ، وعاد المتظاهرون للوراء قليلاً ، بينهم شباب صغار وأطفال وكبار ..قد تشاهد بينهم فتاة ، محجبة وأخرى غير محجبة ..لكنها مشاهد نادرة ..لكن المشهد اختلف هذهالمرة ، فالكر والفر على نطاق أوسع ، الميدان مفتوح للمارة وغير مغلق كما حدث في "محمد محمود" ..والشارع بات أوسع ..وعلى قدر وسع تلك الدائرة ، كان إلقاء القنابل أوسع ، خاصة بعد إحراق سيارة الشرطة ..وصل الأمر إلى أبعد من صينية تمثال عمر مكرم وصينية ميدان التحرير ..كانت تقف هناك ، حينما اشتد الضرب لديها اضطرت لترك المكان والجري مع الناس للحماية من القنبلة التي لا تميز بين متظاهر وصحفي ومتفرج !

عادت وكل تلك المشاهد أمامها ورائحة ملابسها يفوح منها الخل والغاز ..وصور ما شاهدته طوال خمس ساعات ، وإصرار المتظاهرين وهم هذه المرة كانوا شباب مستقلين ليس بينهم لا إخوان ولا سلفيين - على عكس يوم الثلاثاء الذي دعا له بالأساس سلفيون - فلم يعد الأمر اليوم يتعلق بالولايات المتحدة ، قدر ما بات متعلقاً بتعامل الداخلية مع هكذا أزمات ، وكأن المشهد يعود بهم  لزمن مبارك .

آثار الغاز لا تمحى سريعاً ..وآثار التظاهرات والاحتجاجات لن تمحى سريعاً ، فالوضع الآن اختلف ..لم يعد الناس يخشون الغاز ولا الخرطوش كذلك ، كما قال لي صديق إنجليزي "IT BECAME A GAME ".